العيني

109

عمدة القاري

في ( المحكم ) و ( المحيط ) الأعظم : أنها سفيفة تصنع من بردى وأسل ، ثم تفرش ، سمي بذلك لأنه على وجه الأرض ، ووجه الأرض يسمى حصيراً ، والسفيفة ، بفتح السين المهملة وبالفاءين : شيء يعمل من الخوص كالزنبيل ؛ والأسل ، بفتح الهمزة والسين المهملة وفي آخره لام . نبات له أغصان كثيرة دقاق لا ورق لها . وفي ( الجمهرة ) : والحصير عربي ، سمي حصيراً لانضمام بعضها إلى بعض . وقال الجوهري : الحصير البارية . فإن قلت : ما المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله ؟ قلت : قد ذكرت عند قوله : باب عقد الإزار على القفا ، أن الأبواب المتعلقة بالثياب سبعة عشر بابا ، والمناسبة بينها ظاهرة ، غير أنه تخلل بين هذه الأبواب خمسة أبواب ليس لها تعلق بأحكام الثياب ، وقد ذكرنا وجه تخللها والمناسبة بينها هناك فارجع إليه تظفر بجوابك . وَصَلَّى جابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قائِماً . الكلام فيه من وجوه . الأول في معناه : واسم أبي سعيد : سعد بن مالك الخدري . قوله : ( في السفينة ) هي : الفلك لأنها تسفن وجه الماء أي تقشره ، فعيلة بمعنى فاعلة ، والجمع سفائن وسفن وسفين . قوله : ( قياماً ) جمع قائم وأراد به التثنية أي : قائمين ، نصب على الحال وفي بعض النسخ : قائماً ، بالإفراد بتأويل كل منهما قائماً . الثاني : أن هذا تعليق وصله أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح : عن عبيد ا بن أبي عتبة مولى أنس ، قال : ( سافرت مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد ا وأناس قد سماهم ، قال : فكان إمامنا يصلي بنا في السفينة قائماً ، ونصلي خلفه قياماً ، ولو شئنا لأرفينا ) . أي : لأرسينا . يقال أرسى السفينة بالسين المهملة ، وأرفى ، بالفاء : إذا وقف بها على الشط . والبخاري اقتصر هنا على ذكر الاثنين ، وهما : جابر وأبو سعيد الخدري رضي ا تعالى عنهما . الثالث : في وجه مناسبة إدخال هذا الأثر في باب الصلاة على الحصير ، فقال ابن المنير : لأنهما اشتركا في الصلاة على غير الأرض لئلا يتخيل أن مباشرة المصلي الأرض شرط من ، قوله : عليه الصلاة والسلام ، لمعاذ رضي ا تعالى عنه : ( عفر وجهك في التراب ) . قلت : ثمة وجه أقوى مما ذكره في المناسبة وهو أن هذا الباب في الصلاة على الحصير ، وفي الباب الذي قبله : وكان يصلي على الخمرة ، وكل واحد من الحصير والخمرة يعمل من سعف النخل ، ويسمى : سجادة ، والسفينة أيضاً مثل السجادة على وجه الماء ، فكما أن المصلي يسجد على الخمرة والحصير دون الأرض ، فكذلك الذي يصلي في السفينة يسجد على غير الأرض . الرابع في استنباط الحكم منه : وهو أن الصلاة في السفينة إنما تجوز : إذا كان قائماً . وقال أبو حنيفة : تجوز قائماً وقاعداً بعذر وبغير عذر . وبه قال الحسن بن مالك وأبو قلابة وطاوس ، روى عنه ابن أبي شيبة ، وروى أيضاً عن مجاهد أن جنادة بن أبي أمية قال : ( كنا نغزو معه لكنا نصلي في السفينة قعوداً ) ، أو لأن الغالب دوران الرأس فصار كالمحقق ، والأولى أن يخرج إن استطاع الخروج منها ، وقال أبو يوسف ومحمد : لا تجوز قاعداً إلاَّ من عذر ، لأن القيام ركن فلا يترك إلاَّ من عذر ، والخلاف في غير المربوطة ، فلو كانت مربوطة لم تجز قاعداً إجماعاً . وقيل : تجوز عنده في حالتي الإجراء والإرساء ويلزمه التوجه عند الافتتاح كلما دارت السفينة لأنها في حقه كالبيت ، حتى لا يتطوع فيها مومياً مع القدرة على الركوع والسجود ، بخلاف راكب الدابة . وقال الحَسَنُ تُصلِّي قائِماً ما لَمْ تَشُقَّ على أصْحَابِكَ تَدُورُ مَعَها وإلا فَقاعِداً . الحسن هو البصري ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة بإسناد صحيح : حدّثنا حفص عن عاصم عن الشعبي ، والحسن وابن سيرين أنهم قالوا : صل في السفينة قائماً . وقال الحسن : لا تشق على أصحابك ، وفي رواية الربيع بن صبيح : أن الحسن ومحمداً قالا : يصلون فيها قياماً جماعة ، ويدورون مع القبلة حيث دارت . والبخاري اقتصر على الذكر عن الحسن . قوله : ( تصلي ) خطاب لمن سأله عن الصلاة في السفينة : هل يصلي قائماً أو قاعداً ؟ فأجاب له : ( تصلي قائماً ) أي : حال كونك قائماً ( ما لم تشق على أصحابك تدور معها ) أي : مع السفينة . قوله : ( وإلاَّ ) أي ؛ وإن شق على أصحابك القيام فقاعداً ، أي : فصل حال كونك قاعداً ، لأن الحرج مدفوع . 08364 ح دّثنا عَبْدُ اللَّهِ قالَ أخْبرنا مالكٌ عنْ إسْحَاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أبي طَلْحَةَ عَنْ أنَسِ بنِ